ابن تيمية

14

مجموعة الرسائل والمسائل

والآخرة ، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات ، وأما في الدنيا فإن الخوارق هي من الأمور الخطرة التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال ، فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه ، وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه ، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها ، كما يفعله مولهو الأحمدية - فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته ، وأشقي نفسه شقاء لا مزيد عليه ، وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات ، وكذلك إن قصد تسخير الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم ومحاربتهم ، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين - فهذا القدر إذا فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله ديناً يتقرب به إلى الله كان كأنه قهرمان ( 1 ) للناس يحفظ أموالهم ، أو طبيب أو صيدلي يعالج أمراضهم ، أو أعوان سلطان يقاتلون عنه ، إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء . ومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك أقواماً ولا يعدل بينهم ، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرهم . وهذا يوجب له عداوة الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا ، ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا إذا أمر الله به ورسوله لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى . السادس أن الدين علماً وعملاً إذا صح فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه . قال الله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) وقال تعالى ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ) وقال تعالى

--> ( 1 ) أي خادم